حدث في مثل هذا اليوم 28 أبريل 1992، توفي المتمزغ البولندي الكبير تادايوش ليفتسكي عن عمر ناهز 83 سنة، قضاها في البحث والعلم والاكتشاف وخدمة التراث المغاربي، خصوصًا المذهب الإباضي وتاريخ جبل نفوسة واللغة الأمازيغية.
وُلد ليفتسكي في 22 نوفمبر 1906 ببولندا، حيث نشأ وترعرع، ثم التحق لاحقًا بـجامعة السوربون لدراسة اللغة العربية والإسلاميات، وهناك بدأ اهتمامه الخاص بالمذهب الإباضي. درس الإباضية بعمق علمي ومنهجي، وتمكن من فهم دقائق هذا المذهب إلى حد فاق فيه بعض أهله أنفسهم، مما جعل أعماله مراجع لا غنى عنها في الدراسات الإباضية حتى اليوم.
تركزت بحوثه بالدرجة الأولى على التاريخ الإباضي، متبعًا منهجية علمية صارمة ودقيقة، وعُرف بأسلوبه الرفيع في التدقيق والتمحيص والاعتماد على المخطوطات الأصلية، بعيدًا عن النقل السطحي أو التحيز الأيديولوجي.
رغم أنه لم يزر جبل نفوسة قط، إلا أنه تخصص في دراسة تاريخه ومخطوطاته بشكل مذهل، حتى أنه أصبح من أوائل من سلطوا الضوء على الكنوز العلمية والثقافية لهذه المنطقة المنسية لفترة طويلة. كما تحدث ليفتسكي اللغة الأمازيغية بطلاقة، مما أتاح له الاطلاع المباشر على كثير من مصادرها الشفوية والمكتوبة.
كان يملك مجموعة نفيسة من المخطوطات النادرة، التي أهداها إلى مكتبة لفوف في بولندا، ولكن للأسف تعرضت المكتبة لحريق كارثي قبل سنوات، ففُقدت معظم هذه الكنوز، ولم تبق إلا بعض الآثار. وبعد وفاته، تدخلت وزارة الأوقاف العمانية، مشكورة، واشترت ما تبقى من مكتبته من أسرته، حفاظًا على هذا التراث العلمي القيم.
جدير بالذكر أن مؤسسة تاوالت الثقافية قامت لاحقًا بترجمة كامل إنتاجه العلمي المتعلق بالمذهب الإباضي وجبل نفوسة واللغة الأمازيغية إلى العربية، وجعلته في متناول الدارسين والباحثين.
تادايوش ليفتسكي لم يكن مجرد باحث أكاديمي، بل كان جسرًا ثقافيًا صادقًا بين المشرق والمغرب وأوروبا، وقدّم خدمة جليلة لتاريخ الأمازيغية والإباضية بكل تجرد وأمانة علمية.
رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء.