حدث في مثل هذا اليوم 30 سبتمبر 1927 توفي المجاهد الشيخ يحيى بن عبد الله الباروني، أحد أبرز رجال الفكر والسياسة والجهاد في ليبيا مطلع القرن العشرين، وركن من أركان العائلة البارونية العريقة، التي لعبت دورًا محوريًا في التصدي للاحتلال الإيطالي، وخصوصًا في جبل نفوسة وطرابلس الغرب.
مسيرته العلمية:
وُلد الشيخ يحيى الباروني في كنف أسرة علمية ذات نفَس سياسي قوي، فهو شقيق المجاهد الكبير سليمان باشا الباروني.
-
بدأ دراسته في تونس، ثم واصل رحلته العلمية في الأزهر الشريف بمصر، حيث تلقى علوم الشريعة واللغة.
-
ثم انتقل إلى ميزاب بالجزائر، وتعلّم على يد القطب الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيش، متبحرًا في الفقه الإباضي وأصول الدين، إلى جانب مهارات الخطابة والجدل والمناظرة.
دوره في المقاومة:
كان الشيخ يحيى رديفًا وسندًا قويًا لشقيقه سليمان الباروني في مشاريعه السياسية والعسكرية.
-
قام بمهمات استخباراتية حساسة داخل طرابلس، لتحسس أحوال البلاد قبل دخول سليمان الباروني إليها.
-
نفذ رحلة خطيرة عبر غواصة من الأستانة (إسطنبول) إلى طرابلس، في مغامرة تعكس مدى تفانيه وشجاعته في سبيل الوطن.
في الجمهورية الطرابلسية:
مع تأسيس الجمهورية الطرابلسية في 16 نوفمبر 1918م، وهي أول جمهورية في شمال إفريقيا:
-
عُيِّن الشيخ يحيى الباروني نائبًا لرئيس مجلس الشورى، وكان له دور فعال في تنظيم شؤون الحكم ومجابهة التحديات السياسية والعسكرية، في ظل انسحاب العثمانيين وتزايد الأطماع الإيطالية والفرنسية في ليبيا.
الجانب الأدبي:
لم يكن فقط رجل سياسة وجهاد، بل كان أيضًا أديبًا وشاعرًا:
-
له قصائد منشورة في ديوان سليمان الباروني الذي طُبع سنة 1326هـ / 1908م.
-
جسدت أشعاره الهم الوطني والتضحية والصبر على البلاء، مما يعكس رهافة روحه وصدق انتمائه.
وفاته وإرثه:
توفي الشيخ يحيى بن عبد الله الباروني يوم 30 سبتمبر 1927، تاركًا خلفه سيرة عطرة تجمع بين العلم والعمل والجهاد، وأدبًا يعكس روح عصره وهموم أمته.
يُعد من الوجوه النادرة التي جمعت بين العمق الفقهي، والنشاط الثوري، والإبداع الأدبي، فاستحق أن يُذكر في سجل الرواد الأوائل لبناء الهوية الوطنية الليبية في أزمنة الاحتلال والتقسيم.
رحم الله الشيخ يحيى الباروني، وجزاه عن ليبيا وأهلها خير الجزاء.