حدث في مثل هذا اليوم 13 يونيو 1325، انطلق الرحالة الأمازيغي ابن بطوطة من مسقط رأسه طنجة في رحلته الأولى متجهًا نحو الحج، ومنها بدأت رحلته الأسطورية حول العالم.
كان حينها في الواحدة والعشرين من عمره فقط، شابًا شغوفًا بالعلم والمقدسات، مدفوعًا برغبة عميقة للارتحال واكتشاف العالم الإسلامي الواسع. وقد وصف مشاعره في بداية رحلته في مذكراته بكلمات مؤثرة، حيث قال:
“رحلت وحيداً. لم أجد أحداً يؤنس وحدتي بلفتات ودية، ولا مجموعة مسافرين أنضم لهم. مدفوع بِحكمٍ ذاتي من داخلي، ورغبة عارمة طال انتظارها لزيارة تلك المقدسات المجيدة. قررت الابتعاد عن كل أصدقائي، ونزع نفسي بعيداً عن بلادي. وبما أن والديَّ كانا على قيد الحياة، كان الابتعاد عنهما حملاً ثقيلاً علي. عانينا جميعاً من الحزن الشديد.”
بدأ ابن بطوطة رحلته برًا نحو مكة، عابرًا ممالك أمازيغية مزدهرة آنذاك، مثل مملكة بني عبد الواد في تلمسان، والدولة الحفصية في تونس. مرّ بـبجاية وقسنطينة وتونس العاصمة وقفصة وطرابلس، حيث عايش تنوع المجتمعات والعادات والثقافات في شمال إفريقيا. كان ينضم للقوافل التجارية ليأمن الطريق من قطاع الطرق واللصوص، وهي وسيلة السفر الآمنة حينها.
في مدينة صفاقس، تزوّج لأول مرة خلال رحلاته، وهو ما سيتكرر كثيرًا في أسفاره الطويلة. ثم تابع طريقه إلى الإسكندرية، حيث نزل بمينائها العظيم، مدهوشًا بما رآه وسمعه من أخبار عن بلدان الشرق والجنوب، وبدأ يكوّن في ذهنه ملامح رحلة جديدة، لا تقتصر على الحج فقط، بل تشمل العالم بأسره.
بعد أدائه مناسك الحج في مكة، اتّخذ قراره العظيم: أن يطوف العالم ليُشاهد بعينيه ما سمعه بأذنيه من أخبار الممالك البعيدة والمدن الغريبة، فبدأت رحلته الكبرى التي استمرت قرابة 30 سنة، زار خلالها أكثر من 40 دولة حديثة، وخلّدها في كتابه الشهير “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”.
رحلة ابن بطوطة لم تكن مجرد ترحال، بل كانت توثيقًا حضاريًا وإنسانيًا وثقافيًا للعالم في القرن الرابع عشر، وواحدة من أروع الشهادات التاريخية التي نُقلت لنا من رحّالة أمازيغي انطلق من طنجة، ليصنع مجدًا عالميًا لم يسبقه إليه أحد.