وفاة علي فهمي خشيم

حدث في مثل هذا اليوم 9 يونيو 2011، وفي أوج ثورة 17 فبراير الليبية، توفي علي فهمي خشيم، أحد أبرز أعمدة التيار العروبي المتشدد في ليبيا، وعرّاب سياسة التعريب التي تبناها نظام القذافي، وبقي اسمه مقترنًا لعقود بكل أشكال الإقصاء الممنهج للهوية الأمازيغية في البلاد.

ولد خشيم سنة 1936 بمدينة مصراتة، لعائلة يُقال إنها تنحدر من أصول شركسية. درس الفلسفة بجامعة بنغازي، وحصل على الماجستير من جامعة عين شمس في القاهرة، ثم نال الدكتوراه في الدراسات الشرقية من جامعة درم في بريطانيا. ورغم بداياته العلمية التي كانت توحي بمسيرة واعدة في البحث والتأليف، سرعان ما تحول إلى أداة فكرية وإيديولوجية لخدمة مشروع القذافي العروبي.

عُيِّن في مناصب عليا: عميدًا لكلية، وزيرًا للإعلام، ثم وزيرًا للتعليم، ثم نائبًا لرئيس المجلس التنفيذي لليونسكو، وعضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأمينًا عامًا لما سُمّي بـ”مجمع اللغة العربية الليبي“، الذي تحوّل تحت قيادته إلى مؤسسة تمارس الإقصاء والإلغاء لكل ما هو غير عربي، خاصة الأمازيغية.

اشتهر بنظرياته التي وصفها كثيرون بـ”الهذيانية”، حيث حاول تعريب كل شيء: من اللغات اللاتينية إلى الفراعنة، وحتى أسماء الأباطرة الرومان. ورغم ميزانية ضخمة مُنحت له، لم يقدّم أي مشروع علمي جاد لصالح اللغة العربية، بل سخّر المجمع الذي يرأسه لمحاربة الأمازيغية في ليبيا والمغرب الكبير.

كان من مهندسي “قانون رقم 5” سيئ الذكر، والذي منع الأسماء الأمازيغية في سجلات الدولة الليبية، وكان بنفسه يشرف على رفض تسجيل الأسماء ذات الأصل الأمازيغي، ويقيم المحاضرات والندوات الممولة من الدولة لمحاربة “خطر التعددية اللغوية”، بحسب تعبيره.

كما استضاف في مجمعه شخصيات من الجزائر وتونس وكل من عرف بعدائه للأمازيغ، وقدّم لهم الدعم المعنوي والمالي.

وفاته خلال الثورة حرمه من رؤية التحولات الكبرى التي بدأت بعد سقوط النظام، وعلى رأسها عودة تعليم الأمازيغية في المدارس الليبية، ورفع العلم الأمازيغي في ساحات المدن، وتأسيس إعلام ومؤسسات ثقافية أمازيغية مستقلة. وكأن التاريخ أراد أن يُسدل الستار على حقبة كاملة من القمع اللغوي والثقافي، برحيل أحد أهم رموزها.

رحيله لم يكن فقط حدثًا بيولوجيًا، بل كان رمزيًا أيضًا لانهيار خطاب تعريبي قسري عمره عقود، وتمهيدًا لبداية صفحة نضالية جديدة أمازيغية، أكثر جرأة ووضوحًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *