وفاة منظر القومية العربية محمد عابد الجابري

حدث في مثل هذا اليوم 3 مايو 2010، توفي المفكر المغربي محمد عابد الجابري، أحد أبرز منظري القومية العربية في القرن العشرين، وصاحب المشروع الأشهر في نقد العقل العربي، بعد حياة فكرية حافلة بالعطاء والنقاشات الحادة حول الهوية، اللغة، والدين والفلسفة.

وُلد الجابري سنة 1935 في بلدة سيدي لحسن القريبة من مدينة فگيگ على الحدود المغربية الجزائرية، في أسرة أمازيغية الأصل، لكنه تبنى مبكرًا النهج العروبي، وانخرط في التيار القومي العربي من بوابة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي، وظل في قلب المعترك الثقافي والسياسي لعقود.

رغم أن الجابري يُحسب على التيار العروبي، فإنه تميّز بنزعة نقدية صارمة وبخطاب فلسفي عقلاني، جعله في موضع خلاف مع كثير من رموز العروبة التقليديين، خاصة بعد رفضه التكريم من نظام القذافي وجائزة صدام حسين، مما أكسبه احترامًا حتى عند من خالفوه الرأي، وميّزه عن أسماء تبنّت الخط العروبي بشكل غوغائي مثل عثمان سعدي وفهمي خشيم.

من أشهر أعماله رباعية “نقد العقل العربي” التي أثارت جدلاً واسعًا، وضمّت:

  1. تكوين العقل العربي

  2. بنية العقل العربي

  3. العقل السياسي العربي

  4. العقل الأخلاقي العربي

تناول فيها نشأة الفكر العربي الإسلامي، وأسسه المعرفية ومصادر سلطته، مقدمًا قراءة فلسفية تعتمد أدوات التأويل والتحليل البنيوي والتاريخي، وتُعد هذه السلسلة اليوم من الركائز الفكرية لكل مهتم بتاريخ العقل في المجال الإسلامي.

كما تميز الجابري بتخصصه العميق في فكر ابن رشد، حتى قيل إنه لم يعرف العصر المعاصر باحثًا في الغرب الإسلامي بلغ هذا المستوى من الإلمام بكتابات ابن رشد وتحليلها وتقديمها بلغة معاصرة، وقد ترك في ذلك عددًا من المؤلفات أبرزها ابن رشد: سيرة وفكر وفهم ابن رشد.

غير أن الجابري، رغم نزاهته الفكرية في مجالات متعددة، تبنى خطابًا سلبيًا تجاه الأمازيغية، حيث وصفها تارة بـ”اللهجات”، وعارض ترسيمها وتدريسها، وهو ما اعتبرته جمعيات أمازيغية خيانة للقيم الثقافية والإنسانية التي كان الجابري نفسه يرفعها في كتاباته. وقد أثار تكريمه من اليونيسكو سنة 2006 بصفته فيلسوفًا ومفكرًا عالميًا ضجة بين النشطاء الأمازيغيين، رغم أن الجائزة كانت عن مساهماته في نشر فكر ابن رشد وليس عن مواقفه السياسية.

وفي النهاية، يبقى محمد عابد الجابري من أبرز الأسماء التي أثرت في الخطاب العربي الحديث، ورغم تناقضاته، فإن مشروعه الفكري يتيح فرصة عميقة لإعادة النظر في البنية الذهنية للثقافة العربية، وهو ما يمكن الاستفادة منه بشكل غير مباشر لخدمة مشروع النهضة الثقافية الأمازيغية، كما يرى البعض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *