حدث في مثل هذا اليوم 25 مايو 1926 انتهاء حرب الريف واستسلام القائد الأمازيغي العظيم محمد عبدالكريم الخطابي للقوات الفرنسية، بعد ملحمة بطولية نادرة في تاريخ المقاومة التحررية العالمية. كانت نهاية حرب الريف بداية فصل آخر من المعاناة، لكنها رسخت في الذاكرة الجماعية درسًا خالدًا في الشجاعة والصمود والكرامة.
خاض الخطابي معركة غير متكافئة بكل المقاييس، إذ تحالفت ضده فرنسا بكل ترسانتها العسكرية من جهة، وإسبانيا من الجهة الأخرى، وبمساعدة “المخزن المغربي” الذي وقف إلى جانب المستعمر ضد أبناء شعبه. رغم ضعف الإمكانات المادية والعسكرية للجمهورية الريفية الوليدة، إلا أن الخطابي استطاع أن يحرز انتصارات عظيمة، أشهرها معركة أنوال سنة 1921، التي هزّت أوروبا، وأبهرت قادة حركات التحرر في العالم، بمن فيهم تشي غيفارا وماو تسي تونغ وهو تشي منه، الذين رأوا في تجربة الريف نموذجًا يحتذى.
لكن ما لم تستطع المدافع كسره، كُسر بالخيانة والتآمر. كانت الطعنات من الداخل، ومن “المخزن”، ومن القوى الكبرى، هي ما أجهض الحلم الريفي. ولتجنيب شعبه الإبادة، قرر الخطابي الاستسلام بعد أن قُصفت قرى الريف بالغازات الكيماوية المحرّمة دوليًا، في واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية في القرن العشرين.
وقد نُفي محمد عبدالكريم الخطابي إلى جزيرة لارونيون النائية في المحيط الهندي عام 1926، وظل فيها أكثر من عقدين، ولم يعترف يومًا بسلطان المغرب ولا بحكمه، بل ظل وفياً لفكرته التحررية. وفي سنة 1947، حين كانت السفينة الفرنسية تنقله إلى باريس، توقفت في مصر، فاغتنم الفرصة ونزل منها طالبًا اللجوء السياسي في القاهرة، حيث استقبل بحفاوة من جمال عبد الناصر، وبقي فيها حتى وفاته سنة 1963.
لكن الريف لم يُنسَ ولم يُصفح عنه. فقد ظل يُعاني من التهميش والحرمان الممنهج، وعانى أبناؤه من سياسة انتقام غير معلنة من “أحفاد المقاومين”، لا سيما في مرحلة ما بعد الاستقلال. والحركات الاحتجاجية الحديثة في الريف ليست سوى امتداد لتلك الندوب التاريخية التي لم تُعالج، بل تراكمت وتعمّقت.
يبقى محمد عبدالكريم الخطابي رمزًا للحرية، ومثالًا للمقاوم النبيل، وقائدًا سبق عصره، حلم بجمهورية عادلة ومستقلة، ولكن العالم لم يكن مستعدًا لقيامها.