وفاة الشيخ عبدالحميد بن باديس

حدث في مثل هذا اليوم 16 أبريل 1940، توفي الشيخ عبد الحميد بن باديس، أحد أبرز رموز الإصلاح الديني والفكري في الجزائر الحديثة، وأحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كان لها أثر عميق في إحياء الوعي الإسلامي والوطني في ظل الاحتلال الفرنسي.

وُلد عبد الحميد بن باديس سنة 1889 في مدينة قسنطينة، في أسرة عريقة منسوبة إلى الزيريين، اشتهرت بالعلم والقضاء والإصلاح، وكان أكبر إخوته. والدته أمازيغية من الأوراس، ووالده كان باشاغا عند الإدارة الفرنسية، وقد وُشِّح بعدة أوسمة من قبلها.

تلقى تعليمه الأولي في قسنطينة، ثم سافر إلى جامع الزيتونة بتونس، حيث تتلمذ على كبار العلماء المجددين مثل:

  • الشيخ محمد النخلي

  • الشيخ الطاهر بن عاشور

شدّ الرحال للحجاز والشام ومصر في ما سُمّي آنذاك بـ**”السياحة العلمية”**، وأقام مدة بالمدينة المنورة، حيث تعرف على قرينه وصديقه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي كان يقيم هناك مع أسرته، فتوثقت بينهما علاقة علمية وروحية ستثمر لاحقًا عن تأسيس أهم حركة إصلاحية دينية في الجزائر الحديثة.

عاد إلى قسنطينة ليبدأ مشروعه الإصلاحي، ومن أبرز محطاته:

  • إصدار جريدة المنتقد، التي أغلقتها السلطات الاستعمارية.

  • تبعتها جريدة الشهاب، ثم السنة، الشريعة، الصراط.

  • برز فيها خطه السني السلفي الإصلاحي، الذي تميّز بالنقد المباشر للخرافة والجهل، والتأكيد على العودة إلى مصادر الدين الأصلية.

في نادي الترقي بالجزائر العاصمة سنة 1936، شارك في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى جانب:

  • الشيخ البشير الإبراهيمي

  • الشيخ الطيب العقبي

  • وآخرين من رموز النهضة الفكرية والدينية.

أرسلت الجمعية وفدًا إلى فرنسا، تقدم بعدة مطالب، لكن الاستعمار رفضها جملة وتفصيلًا، ما رسّخ القناعة بأن التحرر لا يأتي إلا عبر المقاومة.

توفي ابن باديس سنة 1940 عن عمر ناهز 51 عامًا، قبل أن يرى استقلال الجزائر. وللأسف، فإن كثيرًا من الشخصيات التي كانت في جمعية العلماء لم تنخرط في صفوف جبهة التحرير الوطني، بل اتخذ البعض منها مواقف سلبية في فترة الثورة المسلحة، وسنأتي على ذلك تفصيلًا في وقته.

ومن أشهر الأبيات التي تُنسَب إليه، وإن كانت محط جدل:

شَعْبُ الجَزائرِ مُسْلِمٌ وإلى العُروبةِ يَنتَسِبْ
مَنْ قَالَ حَادَ عَنْ أصْلِهِ أوْ قَالَ مَاتَ فَقَدْ كَذَبْ
أوْ رَامَ إدمَاجًا لَهُ رَامَ المُحَالَ من الطَّلَبْ
يَا نَشءُ أَنْتَ رَجَاؤُنَا وبِكَ الصَّبَاحُ قَدِ اقْتَرَبْ
خُذْ لِلحَيَاةِ سِلاَحَها وخُضِ الخُطُوبَ وَلاَ تَهَبْ
وارفَعْ مَنَارَ العَدْلِ وَالإحْسَانِ واصْدِمْ مَن غَصَبْ
واقْلَعْ جُذورَ الخَائِنِين فَمِنْهُم كُلُّ العَطَبْ

هذه الأبيات أُدرجت في النشيد الوطني الجزائري بصيغ مختلفة، واستُند إليها في ترسيخ خطاب عروبي رسمي على حساب التنوع الهوياتي للجزائر، ما جعلها محل نقد واسع من جانب المدافعين عن الأمازيغية، خاصة أن بن باديس نفسه كان أمازيغي الأصل من جهة الأم، زيري النسب من جهة الأب.

يبقى عبد الحميد بن باديس من أبرز أعلام النهضة الإسلامية المغاربية، رغم اختلاف التقييمات حول إرثه السياسي والثقافي.
وقد كانت وفاته فقدانًا مبكرًا لمشروع إصلاحي طموح، لم يُكتب له أن يواكب التحول نحو الكفاح المسلح والاستقلال الكامل، لكنه ترك أثرًا بالغًا في الوعي الجزائري الحديث، لا يزال يُناقش ويُستعاد حتى اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *