تأسيس أول زاوية سنوسية في لبيبا

حدث في مثل هذا اليوم 1 مارس 1843، تم تأسيس أول زاوية سنوسية في ليبيا بمدينة البيضاء، لتكون نقطة انطلاق الحركة السنوسية، التي أسسها الشيخ محمد بن علي السنوسي، أحد أبرز الرموز الإصلاحية في العالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر.

رغم أن الرواية الأشهر تؤكد أن أول زاوية سنوسية أُسست في البيضاء عام 1843، إلا أن بعض المؤرخين يرون أن الزاوية الأولى كانت في زليتن عام 1832، أي قبل ذهاب الشيخ السنوسي للحج، حينما كان لا يزال في طور التأسيس لحركته القادمة من مستغانم في غرب الجزائر، وهو من القبائل الأمازيغية بني يزناسن.

وُلد الشيخ محمد بن علي السنوسي في الجزائر، وتتلمذ على يد علماء بارزين في المغرب والمشرق، حيث درس في جامعة القرويين بفاس، وأتقن المذهب المالكي، وحفظ القرآن الكريم. كانت رحلاته العلمية واسعة، فقد زار الحجاز، اليمن، مصر، وبلدان شمال إفريقيا، حيث تأثر بمجموعة من المدارس الصوفية والفكرية، وأسس منهجًا إصلاحيًا ودعويًا خاصًا به.

تميزت الحركة السنوسية بتركيزها على:

  • إحياء الإسلام في ليبيا وشمال إفريقيا، خاصة في المناطق التي كانت تعاني من الجهل والتفسخ الديني.
  • توحيد صفوف القبائل الليبية، خصوصًا في المنطقة الشرقية والجنوبية، حيث ساهمت السنوسية في إصلاح الأوضاع الاجتماعية والدينية.
  • مقاومة الاستعمار الأوروبي، حيث رفض الشيخ الاحتلال الفرنسي للجزائر وسعى إلى منع وقوع بقية بلاد المسلمين تحت السيطرة الاستعمارية.
  • تأسيس شبكة من الزوايا السنوسية، التي لم تكن فقط مراكز للعبادة، بل مدارس علمية، ومراكز إصلاحية، ونقاط ارتكاز للمقاومة.

يحكي المؤرخون أن شرق ليبيا قبل السنوسية كان يعاني من:

  • جهل ديني كبير، حيث ترك كثير من الناس الصلاة وانتشرت ممارسات بدعية مثل إنشاء مجسم للكعبة يُحج إليه.
  • تفشي الفوضى القبلية، حيث كانت القبائل تعيش على السطو والنهب والإغارة، ما جعل طرق الحجاج والمسافرين غير آمنة لقرون.
  • ضعف المؤسسات التعليمية والدينية، مما جعل السنوسية ركيزة أساسية في إعادة ترسيخ التعاليم الإسلامية الصحيحة.

كان الشيخ محمد بن علي السنوسي شخصية مهيبة وذات علم غزير وصبر عظيم، مما أكسبه تقديرًا كبيرًا بين العلماء والحكام. ألّف حوالي أربعين كتابًا، بعضها تُرجم إلى الأمازيغية، ما يعكس تنوع أتباعه وتوسّع نفوذه الفكري.

ينسب السنوسيون أنفسهم كما هو شأن العديد من الحركات الإصلاحية الإسلامية إلى النسب النبوي الشريف، لكن معرفة أن أصل الشيخ السنوسي من بني يزناسن، وهم قبيلة أمازيغية في الجزائر، يطرح تساؤلات حول هذا النسب. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن الحركة السنوسية كانت قوة إصلاحية كبيرة استطاعت خلال فترة وجيزة أن تؤسس نظامًا دينيًا وتعليميًا وتنظيميًا قويًا.

تُعد الحركة السنوسية أحد أهم الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي، ولعبت دورًا بارزًا في مقاومة الاستعمار وتأطير المجتمع الليبي دينيًا واجتماعيًا. تراثها ما زال حاضرًا في البنية الدينية والاجتماعية في ليبيا، رغم التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *