حدث في مثل هذا اليوم 3 يونيو 1974 توفي مصالي الحاج، أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ السياسي الجزائري المعاصر، وذلك في فرنسا، الدولة التي لطالما ادعى أنه يناضل ضدها. لكن خلف ذلك الادعاء، تختبئ صفحات ملتبسة من التواطؤ والتناقضات التاريخية التي لا تزال محل نقد واسع، خصوصًا من طرف التيار المدافع عن الهوية الأمازيغية.
مصالي الحاج، المولود سنة 1898 في تلمسان، هو أحد مؤسسي حزب نجم شمال إفريقيا، الحزب الذي تأسس في باريس في عشرينات القرن العشرين بدعم من النقابيين والعمال المغتربين، وكان في بداياته إطارًا ضم العديد من المناضلين من منطقة القبائل (الڨبايل)، والذين كان لهم توجه تحرري شامل يجمع بين الكفاح ضد الاستعمار والدفاع عن الهوية الأمازيغية. غير أن مصالي، بعد لقائه شكيب أرسلان في سويسرا، بدأ يتحول تدريجيًا نحو العروبة السياسية والإسلاموية الخطابية، وانقلب على رفاقه في الحزب، وقام بإقصاء رموزه الأمازيغية، مما أدى إلى انقسامات خطيرة شكلت بذور التهميش الرسمي للأمازيغية لاحقًا.
ورغم مشاركته في الحرب العالمية الأولى في صفوف الجيش الفرنسي، والتي كان فيها جنديًا وفيا للجيش الاستعماري، إلا أنه نجح بعد ذلك في تلميع صورته كمناضل ضد الاستعمار، وهي صورة دعمتها السلطة العسكرية الحاكمة بعد الاستقلال، رغم موقفه الرافض للثورة المسلحة التي انطلقت في 1 نوفمبر 1954، حيث تمسك بالحلول السياسية وأسّس الحركة الوطنية الجزائرية (MNA)، التي دخلت في صراع دموي مع جبهة التحرير الوطني.
مصالي الحاج كان صاحب توجه أحادي قومي عربي إسلامي معادٍ للتعددية، خصوصًا للأمازيغية، وقد كان لحزبه الدور الأكبر في أحداث 1949 التي عُرفت بـ “أزمة البربرية”، حين حاول عزل وتهميش المناضلين الأمازيغ داخل الحزب.
مات مصالي في منفاه الفرنسي، رفقة زوجته الفرنسية، تاركًا خلفه إرثًا مشوّهًا لتاريخ الجزائر، وإرثًا سياسيًا فتح الباب لحكم “الحركى الجدد”، الذين اغتصبوا ثمار الثورة، وهمّشوا المقاومين الحقيقيين، ومن بينهم أبطال المقاومة الشعبية والأمازيغية الذين سُجنوا أو شُوّهت سيرتهم.
إن مصالي الحاج ليس فقط رمزًا للإقصاء والتواطؤ، بل هو نموذج للاستخدام السياسي للدين والعروبة لخدمة أجندات استعمارية مضادة للتعدد والحرية، وهو ما يجب إعادة قراءته ومراجعته في مناهج التعليم في الجزائر وغيرها من بلاد شمال أفريقيا.