وفاة الورتلاني صاحب الرحلة الشهيرة

حدث في مثل هذا اليوم 12 سبتمبر 1779، توفي الإمام الحسين بن محمد السعيد الورتلاني، أحد أبرز علماء الجزائر في القرن الثامن عشر، وصاحب الرحلة الشهيرة المعروفة باسم “الرحلة الورثلانية”، نسبةً إلى قبيلته آيت ورتيلان جنوب غرب مدينة بجاية، التي وُلد بها وتلقى فيها علومه الأولى.

أكمل الورتلاني دراسته واستقر ردحًا من الزمن بمدينة بجاية، التي كانت منارات علمية كبرى في تلك الحقبة، وكان يتبع الطريقة الشاذلية، وقد أشار في مقدمة رحلته إلى أن جده البكاي البجائي كان من أهل بجاية، وهو ما يعزز صلته الروحية والعلمية بهذه المدينة.

في سنة 1153 هـ (1740 م)، غادر مدينة بجاية قاصدًا الحج، فكانت رحلته طويلة وشاقة ومليئة بالمشاهدات والتأملات، إذ مر بتونس، وليبيا، ومصر، ثم الحجاز والديار المقدسة، ودون مشاهداته في كتابه الذي ذاع صيته فيما بعد:
“نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار”، والذي سنعود إليه بالتفصيل في مناسبة لاحقة.

لكن الورتلاني لم يكن مجرد رحّالة؛ فقد كان عالِمًا موسوعيًا ومتصوفًا وشاعرًا، وله ما يقارب عشرين مؤلفًا في مختلف العلوم الإسلامية، منها كتب في العقيدة، والفقه، والتاريخ، والأدب الصوفي.

من أجمل ما تركه من الشعر، قصيدته المؤثرة التي يرثي فيها الشيخ الليبي الكبير أحمد زروق المصراتي، مما يعكس عمق الروابط الروحية والعلمية بينه وبين علماء ليبيا. كما كان له عدد كبير من المريدين والعارفين به في المغرب الأقصى، مما يدل على امتداد إشعاعه العلمي والصوفي من الجزائر إلى ليبيا والمغرب ومصر والحجاز.

رحيل الإمام الورتلاني لم يكن فقط فقدانًا لعالِم، بل لرحّالةٍ مثقفٍ دون أحوال المسلمين ومشاهداته الحضارية في زمنٍ كانت فيه الرحلات العلمية الجادة نادرة، فخلّف لنا تراثًا غنيًا يجمع بين العقل والوجدان، والسفر والتأمل، والعلم والتصوف.

رحمه الله رحمة واسعة، ورضي عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *