حدث في مثل هذا اليوم 22 سبتمبر (9 أوزيم أمزوار)، الاعتدال الخريفي أو ما يُعرف في التراث الأمازيغي باسم أرمات Equinox، وهي مناسبة كانت لها قدسية خاصة في وجدان الأمازيغ القدامى، ولا تزال بعض شذراتها محفوظة في الذاكرة الشعبية، خصوصًا عند معمّري جبل نفوسة، ومنهم من رواها من مدينة كاباو.
في هذا اليوم، يتساوى الليل والنهار، ويُعتقد أنه يوم إنصاف الخالق للظلام (الليل)، الذي لطالما ارتبط في الرمزية الكونية بالشر أو المجهول، إذ جعله يقاسم النور (النهار) في الطول، بعد أن كان النهار أطول منه. ولذا، كان يُنظر إلى هذا التوازن على أنه رمز للعدالة الكونية، تُسقط على الأرض بمعاني الصفح، والإنصاف، وردّ المظالم.
من عادات هذا اليوم:
-
عدم تقييد الحيوانات: كان الأمازيغ يتركون ماشيتهم حرة طليقة في هذا اليوم، كتعبير عن الثقة والعدالة والحرية.
-
ردّ الأمانات: كل من استعار شيئًا، يُعيده طوعًا في هذا اليوم، على أن يُردّ له غدًا إن شاء، في طقس رمزي لتجديد الثقة بين الناس.
-
التسامح وإرجاع الحقوق: يُستحسن أن يُنصف المظلوم في هذا اليوم، حتى وإن لم يحِن أوان إنصافه قانونيًا أو عرفيًا، فيُقدَّم له الاعتذار أو التعويض، كجزء من طقس العدالة الرمزية.
-
يوم سلام مجتمعي: يمتنع الناس عن الخصام، ويُشجَّع فيه على الصلح، وتُطوى فيه الخلافات.
وقد وردت إشارة طريفة في كتاب عبد الله لحسايني عن بني يزناسن، أن بعض العرب الرحّل استغلوا هذا اليوم حيث كانت الناس تترك الماعز والأغنام ترعى بلا قيد، فقاموا بسرقتها دون أن يتصدى لهم أحد، في دلالة على الاحترام الشديد للمناسبة حتى وإن أسيء استغلالها من قبل الغرباء.
أرمات في التقويم الأمازيغي:
هذه المناسبة ليست وحيدة، فلها توأم يُحتفى به في الاعتدال الربيعي أيضًا، والذي يصادف 7 ياردوت (20 مارس). كلا التاريخين كانا يمثلان نقطتي توازن كوني في دورة الزمن الزراعي والحياتي، ولهما ارتباط وثيق بالزراعة، المواسم، والطبيعة.
للأسف، فإن أغلب العادات المرتبطة بأرمات نُسيت أو تُركت دون توثيق، حتى عند أهلها، بمن فيهم نفوسة الذين اعتادوا على إحياء هذه المناسبة حتى العقود القريبة.
دعوة للتوثيق والبحث:
من المهم أن نُعيد إحياء هذه المناسبات كجزء من التراث غير المادي لتامزغا، وذلك عبر جمع الروايات، توثيق الطقوس، ربطها بالتقويم الزراعي، وتقديمها للأجيال القادمة ليس فقط كتراث بل كفلسفة حياتية عميقة تحمل في طياتها قيم الإنصاف، التوازن، والعدالة.