حدث في مثل هذا اليوم 29 سبتمبر 1911 بدأت الحملة الاستعمارية الإيطالية على ليبيا، حين أعلنت إيطاليا رسمياً الحرب على الدولة العثمانية بدعوى حماية مصالحها ومواطنيها في شمال إفريقيا، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من الاحتلال العسكري الاستيطاني لما كان يُعرف آنذاك بـ”ولاية طرابلس الغرب” و”ولاية برقة”، دون وجود كيان سياسي موحد اسمه “ليبيا” حتى سنة 1934.
خلفية الحملة:
في خضم التنافس الاستعماري الأوروبي على ممتلكات الدولة العثمانية الآيلة للسقوط، وجدت إيطاليا، المتأخرة في السباق الاستعماري، فرصتها في السيطرة على مناطق نفوذ عثمانية ضعيفة الحضور مثل طرابلس وبرقة. وفي هذا اليوم من سنة 1911، أعلنت الحرب رسمياً على الدولة العثمانية، لتبدأ عمليتها العسكرية البحرية والبرية، مصحوبة بدعاية استعمارية تصور “الاحتلال” على أنه نزهة عسكرية، كما ردد جنودها في الأناشيد:
“Tripoli bel suol d’amore, sarà italiana al rombo del cannone…”
أي: “طرابلس، أرض الحب، ستصبح إيطالية على دوي المدافع”.
رد فعل المجاهدين الليبيين:
لكن هذه “النزهة” تحولت سريعًا إلى كابوس دموي للغزاة، حيث جُوبهت قواتهم بمقاومة شرسة من قبل الليبيين في كل أنحاء البلاد:
-
في جبل نفوسة وغريان وزليتن.
-
في الهاني والهراوة والقرضابية.
-
في الجبل الأخضر ودرنة وبنغازي.
ورغم الفرق الشاسع في التسليح والتنظيم بين الجيش الإيطالي والمجاهدين الليبيين، إلا أن مقاومة شعبية شرسة وصامدة استمرت لعقود وأفشلت مشاريع الاستيطان الكاملة في الداخل.
حول اسم “ليبيا”:
-
لم يكن هناك كيان رسمي باسم “ليبيا” حينها، بل ولايتا برقة وطرابلس التابعتان للدولة العثمانية.
-
أول استخدام رسمي لاسم “ليبيا” كوحدة سياسية موحدة تم سنة 1934، حين أعلنت إيطاليا الفاشية توحيد الأقاليم الثلاثة (برقة، طرابلس، وفزان) تحت اسم “ليبيا”، وهو الاسم الذي أعاد إحياؤه الإيطاليون من تسميات جغرافية رومانية قديمة تعود لما قبل الإسلام.
فترة الاستعمار الإيطالي:
-
استمر الاحتلال الإيطالي فعليًا نحو 32 سنة (1911–1943)، وكانت فترته تتفاوت ما بين الاحتلال العسكري المباشر والمقاومة ثم الاستيطان الفاشي القاسي.
-
من الإنصاف التاريخي، كما يشير بعض الباحثين، أن نذكر أن إيطاليا قامت خلال احتلالها بعدد من المشاريع العمرانية والتنظيمية: شقت الطرق، نظّمت البريد، أنشأت المدارس والمزارع النموذجية، ومدّت السكك الحديدية.
-
لكنها في الوقت ذاته، مارست أبشع أنواع القمع الاستيطاني والعنصري، من تهجير قسري وقتل جماعي ومعتقلات مثل معتقل العقيلة، وتصفية قيادات المقاومة وعلى رأسهم عمر المختار، ما يجعل هذه الإنجازات الاقتصادية ذات طابع استعماري مصلحي بحت.
الختام:
إن يوم 29 سبتمبر 1911 لا يمثل فقط بداية الاحتلال الإيطالي لليبيا، بل هو أيضًا شهادة على بداية مقاومة شرسة لا تهدأ، قادها الشعب الليبي بمختلف مكوناته، وبمساندة قبائل تامازغا من جبل نفوسة إلى فزان، ومن زوارة إلى الكفرة، دفاعًا عن أرضهم وحريتهم.
ورغم أن إيطاليا لم تمكث في ليبيا سوى 32 عامًا، إلا أن آثار تلك الحقبة ما زالت محل جدل وقراءة متعددة الأبعاد إلى اليوم.