حدث في مثل هذا اليوم 7 أكتوبر 1970، أصدر العقيد معمر القذافي قرارًا يقضي بإجلاء جميع المستوطنين الأجانب من ليبيا، وعلى رأسهم الإيطاليون الذين كانوا يشكلون الجالية الأكبر في البلاد منذ الحقبة الاستعمارية.
وقد جاء القرار في مشهدٍ درامي وعاطفي طغت عليه نبرة الانتقام والشحن القومي المتطرف، إذ استُخدم خطاب “رد الاعتبار للشعب الليبي” و“تطهير الأرض من بقايا المستعمرين”، لكن ما جرى فعليًا كان عملية طرد جماعية قاسية لمستقرين عاشوا في ليبيا لعقود طويلة، وكثير منهم كانوا مولودين فيها ولم يعرفوا وطنًا غيرها.
⚖️ خلفية القرار
بعد عامٍ واحد من انقلاب القذافي على الملك إدريس السنوسي (سبتمبر 1969)، شرع النظام الجديد في تبني خطاب قومي عربي متشدد، رافقته إجراءات “ثورية” اتخذت شكل مصادرة الممتلكات وتأميم الشركات الأجنبية.
فقد رُفع شعار “يوم تطهير ليبيا من الاستعمار الإيطالي”، واعتُبر 7 أكتوبر “يوم الجلاء”، حيث أُجبر آلاف الإيطاليين، ومعهم عدد من المالطيين واليونانيين والتوانسة، على مغادرة البلاد في مهلة قصيرة جدًا، تاركين خلفهم بيوتهم ومزارعهم ومصانعهم ومدارسهم.
مشاهد الوداع والخسارة
وثّقت الصحف حينها مشاهد مؤثرة عند الموانئ والمطارات، حيث ودّع الليبيون جيرانهم الإيطاليين الذين عاشوا بينهم لعقود.
ورغم نبرة الكراهية الرسمية، فقد بكى كثير من الليبيين رحيلهم، إذ كان هؤلاء الأجانب جزءًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، وعُرفوا بمهاراتهم في الزراعة والبناء والتجارة والتعليم.
لكن النظام سمح في المقابل بنهب ممتلكاتهم تحت شعارات “استرداد حق الشعب”، فتم الاستيلاء على منازلهم ومزارعهم، وأُعطيت لعناصر اللجان الثورية والمسؤولين الجدد.
النتائج الكارثية
رغم ما تم ترويجه من شعارات “تحرير”، فإن القرار مثّل كارثة اقتصادية وإدارية؛ إذ فقدت ليبيا فجأة جزءًا كبيرًا من كوادرها الفنية والإدارية التي كانت تسير عجلة الإنتاج والخدمات.
فقد شلّ القرار قطاعات الزراعة، والبناء، والصناعة، والتعليم، والصحة، بسبب غياب البدائل المحلية القادرة على ملء هذا الفراغ.
واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، يرى كثير من الباحثين أن ليبيا دفعت ثمنًا باهظًا لتلك القرارات المتسرعة، وأنها كانت بداية الانعزال والتراجع الحضاري والاقتصادي الذي رافق النظام لعقود طويلة.