حدث في مثل هذا اليوم، 8 يوليو 2015، وقعت واحدة من أبشع المجازر في التاريخ المعاصر للجزائر، راح ضحيتها ثلاثون نفسًا من سكان مدينة القرارة في وادي مزاب، وجميعهم من الأقلية الإباضية الأمازيغية، في شهر رمضان المبارك، برصاص الغدر والتطرف والكراهية، في مشهد مأساوي هز الضمير الإنساني.
خلفيات المجزرة: التحريض والتهديد دون تدخل
لسنوات سبقت المجزرة، كانت منطقة وادي مزاب تشهد احتقانات طائفية متصاعدة، تغذيها خطابات الكراهية، والتحريض الممنهج ضد الإباضيين، الذين يشكلون المكون السكاني الأصلي للمنطقة.
منابر المساجد، وصفحات الإعلام، ومواقع التواصل، وحتى بعض الجهات الرسمية، كانت شاهدة على هذه التعبئة الخطيرة، حيث صُوّر الإباضيون كخوارج، وكفار، وأعداء الدين، وهو نفس الخطاب الذي استخدمه منفذو المجزرة لتبرير جريمتهم بـ”التقرب إلى الله”!
ورغم النداءات المتكررة من سكان بني مزاب، وتحذيرات الشخصيات المحلية، ونقلهم للمعلومات حول التحركات المشبوهة والتهديدات العلنية، لم تحرك السلطات الجزائرية ساكنًا، واكتفت ببيانات خجولة، دون أي إجراء أمني استباقي لاحتواء الأزمة، أو تفكيك شبكات التطرف.
المجزرة: ثلاثون روحًا زهقت بدم بارد
في ليلة 8 يوليو 2015، شنّ الإرهابيون هجومًا منظمًا على سكان القرارة، باستخدام الرصاص الحي والأسلحة البيضاء، في شهر الصيام، وبدم بارد.
كانت المجزرة مخططة، ومدفوعة بالكراهية الدينية والعرقية، ضد مكون أصيل من مكونات الجزائر.
سقط 30 شهيدًا في ساعات قليلة، أغلبهم شباب، ولم تكن هناك أي حماية أمنية، رغم التحذيرات المسبقة، ما جعل الكثيرين يتهمون السلطة الجزائرية بالتواطؤ أو على الأقل بالإهمال الجسيم.
ما بعد المجزرة: صمت رسمي وغضب شعبي
عقب المجزرة، خرجت مظاهرات في غرداية، وتونس، وفرنسا، والمغرب، وبلدان المهجر، منددة بالصمت الرسمي، ومطالبة بتحقيق دولي في جريمة ذات طابع تطهيري عرقي وطائفي.
لكن السلطات الجزائرية لم تحاكم أي من المحرضين الأساسيين، ولم تُكشف نتائج أي تحقيق حقيقي، ما زاد الشعور بالخذلان داخل المجتمع المزابي.
الحقيقة المؤلمة
ما جرى في وادي مزاب ليس مجرد اشتباك أهلي، بل مجزرة طائفية ضد مكون مسالم ومتحضر، دفع ضريبة تمسكه بهويته الإباضية الأمازيغية، وثقافته الخاصة، واستقلاليته الاجتماعية.
إنها وصمة عار في جبين الدولة الجزائرية، التي لم تحمِ مواطنيها، ولم تقتص لضحاياها، بل تركت الباب مفتوحًا أمام مزيد من التمييز والاضطهاد ضد الأمازيغ الإباضيين.
رحم الله شهداء القرارة ووادي مزاب،
والخزي لكل من حرّض، وصمت، وشارك، وتواطأ.
ولتبقَ الذاكرة حية… فلا عدالة بدون حقيقة.