حدث في مثل هذا اليوم 15 سبتمبر 2024، توفي أحد أعظم عازفي الزكرة في تاريخ جبل نفوسة، الفنان الكبير صالح حبيل أحمد غرامة، المعروف بالرايس صالح، عن عمر ناهز 95 عامًا. وقد شكّل برحيله خسارة كبيرة للمشهد الثقافي والموسيقي الأمازيغي في ليبيا وشمال إفريقيا.
وُلد الرايس صالح سنة 1929 في قرية تيركين بمنطقة فساطو في جبل نفوسة، ونشأ في عائلة موسيقية كانت تحيي المناسبات الاجتماعية، حيث انغمس منذ نعومة أظفاره في أجواء الفن الأمازيغي الشعبي، وتعلّق بشكل خاص بـآلة الزكرة التي أصبحت فيما بعد علامته المميزة وصوته الفني الخاص.
بدأ مشواره الفني في سن مبكرة، وأبدع في تقنيات العزف على الزكرة إلى أن صار أحد أعمدة الفرح الشعبي في الأعراس والمناسبات الدينية والموسمية في جبل نفوسة، وبفضل مهارته اللافتة، أصبح يُستدعى في مختلف المناطق الليبية.
في عام 1949، انتقل إلى طرابلس، حيث التقى بكبار العازفين والفنانين الليبيين، وبدأ مرحلة جديدة من الاحتكاك والتطوير الموسيقي. أسهم في التعريف بالتراث الأمازيغي الليبي، من خلال حفلات ومهرجانات محلية، وسجل عددًا من المقاطع التي تُتداول حتى اليوم في الذاكرة الشعبية.
لم يكن الرايس صالح مجرد عازف، بل حارسًا لذاكرة موسيقية أمازيغية كاملة، بنقل الألحان والإيقاعات المتوارثة جيلاً بعد جيل. وتميّز بأسلوب خاص يمزج بين الروح الاحتفالية والهيبة التقليدية لعازف الزكرة، وكان له دور كبير في تعليم عدد من العازفين الذين ساروا على خطاه.
برحيله، يفقد جبل نفوسة أيقونة موسيقية نادرة، ويطوي صفحة من صفحات الزكرة التقليدية التي طالما عبّرت عن أفراح الناس وهويتهم العميقة. وستظل ألحان الرايس صالح، محفورة في الذاكرة الثقافية للمنطقة، شاهدة على فن شعبي أمازيغي أصيل عاشه وأحياه حتى آخر أيامه.
رحم الله الرايس صالح، وأجزل له المثوبة على ما قدم من إرث فني نفيس.