حدث في مثل هذا اليوم 25 مايو 1904 إعادة تأسست المدرسة البارونية في قرية “آت بخبو”، إحدى القرى القديمة التي تُشكّل نواة مدينة يفرن في جبل نفوسة، على يد العلامة والمجاهد الشيخ سليمان الباروني، وذلك عقب عودته من رحلاته العلمية إلى الجزائر وتونس ومصر.
جاء تأسيس هذه المدرسة بدعم وتشجيع مباشر من والده الشيخ عبدالله الباروني، أحد أبرز علماء جبل نفوسة في زمانه، كما حضر حفل الافتتاح عدد من أعيان المنطقة، وعلى رأسهم عزت باشا، متصرف لواء الجبل آنذاك، ما يدل على المكانة العلمية والاجتماعية الرفيعة التي حظيت بها هذه المبادرة التعليمية في زمن مبكر من القرن العشرين.
المدرسة البارونية لم تكن مجرد مبنى تعليمي، بل كانت منارة علمية كبرى لنشر مختلف العلوم الإسلامية، من فقه وتفسير وحديث ونحو، إلى جانب تحفيظ القرآن الكريم وتدريس اللغة العربية. وقد شُيّد بها ملحق يضم مكتبة وزاوية للتعبد، مما جعلها تؤدي دورًا شاملاً في التعليم والتربية الروحية والفكرية.
لكن يجدر التنويه إلى أن الباروني لم يبنِ هذه المدرسة من الصفر، بل أعاد إحياءها على أنقاض مدرسة أقدم، أسّسها الشيخ الحاج سالم بولهول سنة 1798، ما يُشير إلى استمرارية علمية في المكان ذاته، ودور عميق للمنطقة في الحفاظ على شعلة العلم والمعرفة.
مرت المدرسة بمراحل تطور عديدة، وخرجت أجيالاً من طلبة العلم، غير أن هذا الإرث العلمي والروحي لم يسلم من الإهمال والتخريب في عهد النظام القذافي، حيث تعرّضت الزاوية والمكتبة المصاحبة لها للتلف والتدمير المتعمّد، في محاولة ممنهجة لضرب المراكز العلمية ذات الطابع المستقل في الجبل.
ورغم هذا التدمير، تظل المدرسة البارونية رمزًا راسخًا للنهضة الفكرية والدينية في جبل نفوسة، وشاهداً على مشروع التحديث الذي حمله الشيخ سليمان الباروني في مطلع القرن العشرين، والذي جمع بين العلم، والجهاد، والهوية الثقافية الأصيلة.