حدث في مثل هذا اليوم 23 أبريل 1930، قام الفنان عيسى الجرموني، أحد رواد الأغنية الشاوية والأمازيغية في الجزائر، بتسجيل أول ألبوم غنائي له في ستوديو باردو بالعاصمة التونسية، في خطوة شكلت لحظة فارقة في تاريخ الموسيقى الشعبية المغاربية.
ولد عيسى بن مرزوق بن رابح، المعروف بـعيسى الجرموني، سنة 1885 في قرية أمزي (ميتوسة) بضواحي أم البواقي التابعة حاليًا لولاية خنشلة في شرق الجزائر. نشأ وسط بيئة ريفية بسيطة، وبرزت موهبته في الغناء منذ صغره وهو يرعى الغنم، حيث ارتبط صوته منذ البداية بـالقصبة (تابگا) التي عُرف بإتقانها حد التميز، حتى وُصف بأنه أحسن من عزف عليها في تاريخها.
رغم كونه أمّيًا، إلا أن كلماته العفوية وصوته الصادق حملا همومه وهموم مجتمعه بكل شفافية. غنّى بلغته الأمازيغية الشاوية كما غنّى باللهجة العامية الجزائرية، مما جعله صوتًا جامعًا تجاوز حدود منطقته ليصل إلى كل أنحاء الجزائر، والمغرب، وتونس. وقد غنّى إلى جانب أشعاره، قصائد لشعراء بارزين منهم بوفريرة والشيخ مكي بوكريسة.
كان ألبومه الأول الذي سجله عام 1930 مخصصًا للقرص 78 دورة، لكنه لم يُطرح في الأسواق إلا سنة 1933، وتلاه إصدار آخر سنة 1934. ومنذ ذلك الوقت، لم يتوقف عن التسجيل والغناء إلى أن توفي سنة 1946.
من أبرز إنجازاته الفنية، أنه أول فنان أمازيغي يقف على خشبة مسرح الأولمبياد (L’Olympia) الشهير في باريس، وهو حدث يحمل رمزية كبيرة لتمثيل الهوية الأمازيغية على منصات الفن العالمي. بعد وفاته، قامت ابنته بإعادة غناء بعض أعماله، حفاظًا على إرثه الفني.
يُعد عيسى الجرموني أحد الأصوات التاريخية التي وثّقت باللحن والكلمة حياة الشاوية والمناطق الداخلية من الجزائر، في زمن كانت فيه الأغنية الشعبية وسيلة للتعبير عن الوجدان والاحتجاج والحنين، وما زال أثره حاضرًا في الذاكرة الثقافية المغاربية.